محمد بن جرير الطبري
41
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فرفع الاسم ، إذا أخر الحرف الذي يأتي بمعنى الإِغراء . وقد تفعل العرب ذلك إذا أخرت الإِغراء وقدمت المغرى به ، وإن كانت قد تنصب به وهو مؤخر . ومن ذلك قول الشاعر : يا أيها المائح دلوي دونكا * إني رأيت الناس يحمدونكا فأغرى ب " دونك " ، وهي مؤخرة ؛ وإنما معناه : دونك دلوي فذلك قول لبيد : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما يعني : عليكما اسم السلام ، أي : الزما ما ذكر الله ، ودعا ذكري والوجد بي لأَن من بكى حولا على امرئ ميت فقد اعتذر فهذا أحد وجهيه . والوجه الآخر منهما : ثم تسميتي الله عليكما ، كما يقول القائل للشيء يراه فيعجبه : واسم الله عليك . يعوذه بذلك من السوء ، فكأنه قال : ثم اسم الله عليكما من السوء . وكان الوجه الأَول أشبه المعنيين بقول لبيد . ويقال لمن وجه بيت لبيد هذا إلى أن معناه : " ثم السلام عليكما " : أترى ما قلنا من هذين الوجهين جائزا ، أو أحدهما ، أو غير ما قلت فيه ؟ فإن قال : لا أبان مقداره من العلم بتصاريف وجوه كلام العرب ، واغنى خصمه عن مناظرته . وإن قال : بلى قيل له : فما برهانك على صحة ما ادعيت من التأويل أنه الصواب دون الذي ذكرت أنه محتمله من الوجه الذي يلزمنا تسلميه لك ؟ ولا سبيل إلى ذلك . وأما الخبر الذي : حدثنا به إسماعيل بن الفضل ، قال : حدثنا إبراهيم بن العلاء بن الضحاك ، قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى عن ابن أبي مليكة ، عمن حدثه عن ابن مسعود ، ومسعر بن كدام ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن عيسى ابن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه ، فقال له المعلم : اكتب بسم فقال له عيسى : وما بسم ؟ فقال له المعلم : ما أدري فقال عيسى : الباء : بهاء الله ، والسين : سناؤه ، والميم : مملكته . فأخشى أن يكون غلطا من المحدث ، وأن يكون أراد : " ب س م " ، على سبيل ما يعلم المبتدئ من الصبيان في الكتاب حروف أبي جاد . فغلط بذلك ، فوصله فقال : " بسم " ؛ لأَنه لا معنى لهذا التأويل إذا تلي " بسم الله الرحمن الرحيم " على ما يتلوه القارئ في كتاب الله ، لاستحالة معناه على المفهوم به عند جميع العرب وأهل لسانها ، إذا حمل تأويله على ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهِ قال أبو جعفر : وأما تأويل قول الله : " الله " ، فإنه على معنى ما روي لنا عن عبد الله بن عباس : هو الذي يا لهه كل شيء ، ويعبده كل خلق . وذلك أن أبا كريب : حدثنا قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس قال : الله ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين . فإن قال لنا قائل : فهل لذلك في " فعل ويفعل " أصل كان منه بناء هذا الاسم ؟ قيل : أما سماعا من العرب فلا ، ولكن استدلالا . فإن قال : وما دل على أن الألوهية هي العبادة ، وأن الإِله هو المعبود ، وأن له أصلا في فعل ويفعل ؟ قيل : لا تمانع بين العرب في الحكم لقول القائل يصف رجلا بعبادة ويطلب مما عند الله جل ذكره : تأله فلان بالصحة ولا خلاف . ومن ذلك قول رؤبة بن العجاج : لله در الغانيات المدة * سبحن واسترجعن من تألهي يعني من تعبدي وطلبي الله بعمل . ولا شك أن التأله " التفعل " من : أله يأله ، وأن معنى " أله " إذا نطق به : عبد الله . وقد جاء منه مصدر يدل على أن العرب قد نطقت منه ب " فعل يفعل " بغير زيادة . وذلك ما : حدثنا به سفيان بن وكيع ، قال حدثنا أبي ، عن نافع بن عمر ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس أنه قرأ : ويذرك